مقالة: [القراءة الذوقية]
هل لا يزال موجودا النقد الموضوعي يقيس في الشعر القديم الوزن و القافية، و في الشعر الحديث التفعيلة و اللغة أو في الرواية يقيم المقدمة و العرض و الخاتمة؟
و إن وجد (ولا أعتقد ذلك) فهل أصلا لا يزال من يكتب بهذه القيود؟ (ولا أعتقد ذلك أيضا) إنما هي شكليات وجدت متسعا من النفس لإنزياح الأكادميين عن خوض مغامرة التحليل الموسع و التنقيب الدقيق قد يفاجئهم بأن لم يعد هناك ما يسمى بهذه المسميات، إن هي إلا أعراف تقام كأعراس، شكل جلابيب الأعياد لا تلبس إلا في المناسبات.
أن تحكم على مبدع تركيب شعوره بجدول تقييمي، كأنك ترفع عليه مسدسا و تأمره بالإعتراف طبقا للمحضر.
أستطيع في غياب المتابعة النقدية الممنهجة صياغة قصيدة بعرض و عجوز وقافية يظنها السامع تمتثل لعلم العروض، و العروض منها براء، غير أن هذه القصيدة لن تمثلني ولا المجتمع، لو كان فعلا الشاعر ابن بيئته.
قد يجوز لمبدع تخطي النظم و اللغة سهوا أو عمدا (مادام نصه جميلا) ولا يجوز للغوي تخطي جمالية النص، لأن الأول يمكن تداركه بمساعدة اللغويين تصحيحا و تنقيحا قبل النشر، و أما الثاني فغير ممكن طبعا إعادة نصه من قبل مبدع.
و بانعدام الموضوعية و الشكل من الكتابة و النقد، أصبح هناك نقد ذوقي يخترق نفسية المبدع لمعرفة ما يود قوله لنا، لا ما نريده نحن منه، أو قتله كما يحلو لمنهج معين.
بالقراءة الذوقية يمكن لشاعر متمكن خوض زمام المبادرة بخبرته لاقتحام مكامن النص (ما لم يقله النص) خير من ناقد متمرس لا يجدينا نفعا بمطولاته المتناصة و التي لا تمثل النص بقدرما تمتثل للمناهج المختلفة عن سبق إصرار و ترصد لقتل المبدع أو سجنه.
لطالما شكل النقاد مضغة واحلة في حلقوم المبدع، و قلما أعانوه بجرعة ماء ليستغيث، لهذا كثر في زمن مضى النقاد و قل المبدعون.
و ها قد وضع القضاء (النقد الموضوعي الممنهج) مطرقته على جنب، و خرج المتمردون في كل واد يهيمون، (في منهج القرآن) أوليس أصل التمرد من الإبداع؟
و يحق القول في البقية الخاضعة للمناهج (يقولون ما لا يفعلون) لأن المبدع الصادق هو المتمرد الخارج عن المألوف، و لو قال غير ما يشعره فهو كاذب و يقول ما لا يفعل، حتى كذبوا علينا بقولهم :(أحسن الشعر أكذبه) لتزييف الحقائق، و إبعاد المبدع عن النهي و إلهائه بقيود المناهج. (يتبع)
_حسين الباز/المغرب_
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق