الخميس، 25 أغسطس 2016

بقلم أ.(المُهنّد محي الدين حسن)

عاشِقَةٌ تَأبى السّقوط

الجزء الثاني

فعادت وفتحت عيونها لتراه بجانبها وكان قد فتح عينيه وجلس يحدق فيها
وحين رأت عيناه ثابتتان عليها تأكدت أنها لم تكن في حلم
ولكنها أشاحت بنظرها لباقي فناء الغرفة
وصارت تتسائل في نفسها وتقول ..

ياترى وين أنا
وكيف أجيت لهون
ومين هاد

ثم أعادت إغماض عينيها لألا تفقد الحلم الجميل
وتمنت أن يقف الزمن عند هذه اللحظة لزمنين بعد هذا الزمن
وقالت في نفسها وهي مغمضة العينين ...

يالطيف وين كنا ووين صرنا
مبارح كان هوي بغير أرض وبغير بلاد وبغير زمان ومع غير ناس
واليوم أنا وياه ببلد واحد وبفندق واحد وبغرفة وحدة وبتخت واحد وتحت ذات الغطا

ففتحت يديها وإحتضنته وقالت في نفسها ...

شو ماساوى فيي مسامحتو
لأن جيتو غفرتلو كل ذنوبو السابقة واللي جاية

ثم فتحت عينيها للمرة الأخيرة
فأشبعت سريرتها من مناصفته الفراش معها
وعادت فإحتضنته وإستسلمت للنوم
قضيا الليل بأكمله جنباً إلى جنب
وكانت ليلةً من العمر

وعند شروق الشمس
وقبل أن تفتح عيناها العائدتين من زمن الأمس
كان قد سبقها وطلب الإفطار من خدمة الغرف
وأعد لها الطاولة ليقدم لها أول وجبة إفطار تجمعهما

وبعد أن تناولت أول لقمة من يده
أصدر جواله ذاك الرنين الذي يشير لورود مكالمة
فإستأذن منها وخرج لشرفة الجناح الذي ينزلا به في الفندق
ليتلقى تلك المكالمة
وفي هذه الأثناء
أنهت إفطارها وغادرت المائدة متجهةً للحمام
فإستحمت وإرتدت ملابسها وهمّت بالرحيل
خرجت إليه وأعادت له قميصه

فأغلق سماعة الجوال بيده وسألها ..

رايحة ولا بدك تبقي معي

فأجابته ضاحكة ...

ليش قاعدة عقلبك
ولا مليت مني ومستعجل عليي

فقال ...
تضربي ما أغلظك
عم بسألك لأن فيه حدا مشتاقلي ومن زمان مو شايفو
وعم يحاكيني لنتفق على موعد نلتقى فيه ونرجع أيام زمان
فإذا باقية بأجلو لوقت تاني

فأجابت ...
لا حبيبي خود راحتك وخبرو يجي إذا بدو
انا صار لازم أمشي
هلق بيقلقوا عليي بالبيت وبيستفقدوني
وببقى بحاكيك من هون للمسا

فسألها إن كانت بحاجة للنقود أو إن كان ينقصها أي شيئ
فأخبرته بأن الأمور كلها على أحسن مايرام

فودعها قائلاً ...

ديري بالك على حالك

نظرت إلى عينيه وقالت ...

بحبك

ثم أغلقت الباب خلفها وغادرت

وغادر معها فصل الربيع
وفجأة أحست بالخريف دونما المرور بصيفٍ بينهما

غادرت ردهة الفندق بالسرعة التي لم تشابه تلك التي أتت بها
وخرجت من تلك الأبواب وكأنها تركت ضلعاً من الضلوع
قابعٌ بين أفنانِ تلك الطبقات
ركبت التكسي وطلبت منه أن يقلها للشارع الذي تسكنه
وفي الطريق .. نظرت للنافذة المغلقة بجوار رأسها
وكانت إنعكاس صورتها تظهر لها
فنظرت في عيني أنفسها وكأنها تراه
فبدأت تحدثه بينها وبين نفسها قائلةً

أريد أن أخبرك
بكل ليال الحزن التي سبقتك
بكل الجروح والخيبات
ولكنني حين حظيت بعينيك .. ولدت من جديد
وكأنما ما مس قلبي سوى فرح حضورك الآسر
فأبيتُ إلا أن أرمي الماضي العتيقَ بينَ قدميك

وقبل أن يجيبها في تلك النافذة كانت قد وصلت تلك السيارة لوجهتها
فنزلت منها .. وصعدت على درج البناء
ولكنها لم تقوى على الدخول للمنزل ..
فأكملت طريقها صعوداً لبيت صديقتها وجارتها ( زويا )

نقرت بأصابعها المتخمة بالقبلات
والمثقلة بالإحتضانات على باب صديقتها
وحين فتحت لها الباب .. إرتمت في أحضانها كمن تفتقد لأمها
أو كمن تريد أن تنثر عبيرها في كل ارجاء العالم
و إخبار كل العابرين بأنها سعيدة
وبأن سعادتها لا توصف ..
و أنها إن وصفت فإنها تكاد لا تجد الوصف المناسب
وأنها إن وجدته فقد لا تكفيها كل الكلمات لوصف تلك السعادة

لم يكن إختيارها منزل ( زويا ) عبثاً
ولم يكن لديها ادنى شك بأنه المكان الانسب
لتستلقي فيه وتستفيض بالمكنونات
بل إنها تؤمن بأن هناك بعض الاماكن التي تعانقت مع روحها
وباتت تؤاخيها وتقاسمها النبض

لا بل هناك بعض ألأماكن
تمر بهـا فـ تشتم رائحة ماضيك
وكأنها تعيد إليك جزءاً مفقوداً من الزمن أو الوقت الضائع
بـ طقوسه  و ساعاته و ذكرياته
مع أناس قاسموك يوما كل شيء
حتى أنفاسـك

أخبرت ( زويا ) عن كل ماجرى
وكأنها تروي قصة ليلة من ليالي العمر
وما كان من ( زويا ) إلا أن صرخت في وجهها قائلةً ..

أنتي مجنونة عالآخر

فردت ( ديان ) بإستغراب ..

ليش ولي

فأجابتها ( زويا ) ..

ولك أنتي كيف إلك قلب تتركيه وتجي
بعد كل هالحب والنطرة
وتارك مرتو وولادو
وجاييكي من آخر الدني
أنتي مجنونة نظامي

فردت لها ( ديان )  متسائلةً ..

يعني أنتي قولتك أرجع كمل هالنهار معو ؟؟

فأجابت ( زويا ) ..
بدها تنين يحكو فيها
قومي نطي رجعي متل الطير لعندو
ولك أشبعي منو قبل مايرجع لحضن مرتو وولادو
مابتعرفي
بيجوز ماعاد تقدري تشوفيه بعمرك

وفعلاً
لم تتوانى ( ديان ) أو تتردد بذلك
فنزلت عن درج البناء وكأنها تبتلع الدرجات
كل خطوة بأربع خطوات
وحين وصلت للشارع
أوقفت اول سيارةٍ عابرة
وطلبت من السائق إيصالها للفندق الذي يقيم فيه
متناسيةٍ أنه أخبرها بإحتمال قدوم أحد الأصدقاء القدامى
لإسترجاع الذكريات وقضاء بعض الوقت

وطأت قدميها حرم الفندق مجدداً
ولكن هذه المرة كانت مستعجلةً وخطواتها غير مرتبكة ولا متباطئة
بل كانت قدماها تتدافعا بإتجاه الباب الذي خرجت منه منذ أقل من ساعتين
وحين وصلت للباب الذي وجدت خلفه سابقاً ذاك الكنز الثمين
رفعت يدها لتطرق عليه بأقصى مالديها
وقبل ان تهبط يدها
تراءى لها سماع أصوات ضحك
فأخفضت يدها وإقتربت من الباب
ودَنَت  بِأذنيها قرب المنظار الذي يتوسط الباب
كمن يسترق السمع وفي خلده شغف بإستكشاف مايحصل
وإذ بالغرفة تصدر أصوات قهقهةٍ نسائية
وكأنه لم يكتفي بما منحته ( ديان )
فجاء بمن تهبه المحظورات

تراجعت عدة أقدام للخلف
أحست بأن الباب يكبر وهي تصغر
وباتت تلك الضحكات كضجيجٍ يخنق رأسها
لا بل شعرت بأنّ دمعةً تائهةً أضلّت طريقها
فسقطت عن طريق الخطأ في حنجرتها
وما كانت تعرف كيف تبصقها

همّت بالرحيلِ مسرعةً
ولم تعد تشعر بقدميها على الأرض
بل إنها باتت تعبر  كعاصفةٍ مقتلعةً كل شيئٍ في طريقها
وما أن وصلت لمسكنها
حتى دخلت غرفتها وأقفلت على نفسها الباب
ففي لحظةٍ واحدة
تحول أجمل يومٍ في حياتها
لأسوأ ما كانت تتوقعه في يوم من الأيام

بل وباتت ترى الألوان التي زينت ذاك النهار
عارٌ على ألوان الطبيعة
ونظرت للألوان السوداء التي لطالما أخفت حزنها وراءها
فأحست بأنها تناديها من جديد

وضعت رأسها على المخدة
وأجهشت بالبكاء الذي تخلله الكثير من الصراخ
وبقيت هكذا ترتاح قليلاً ثم تعود وتبكي ويتخلل بكائها مزيداً من الصراخ
حتى إستسلمت للنوم

وفي المساء
قامت فخرجت من غرفتها وإذ ب (أبو وليد)
قد أعاد أمتعتها التي كانت قد نسيت بأنها رافقته منذ يومين
فأدخلتها الغرفة وبدأت بإخراجها من الحقائب
ولم تقدر من منع نفسها
فإحتضنت كل الثياب
وعادت للبكاء
ثم تخلل بكاؤها ذكريات لما قبل القهقهة النسائية التي صدرت من ذاك الباب
وعادت فتذكرت كلماتها وهي ففي أحضانه
حين قالت في نفسها بأنها ستسامحه عن أخطائه السابقة واللاحقة
لأن مجيئه لها قد شفع له وبرر كل خطاياه

صراع كاد يفتك بتلافيف دماغها للحظات
ولكنها أسكنت تلك الضوضاء بتنفس عميق وقالت في نفسها ..

بما أنه ما حدا بيعرف بالموضوع غيري
رح أعمل حالي لاشفت ولا سمعت
المهم نبقى مع بعض ويبقى حبيبي
بلكي اللي سمعتو غلط
أو يمكن تكون رفيقتو أو أختو أو حدا من قرايبينو اللي من زمان ماشافهن
بكل الأحوال ماحا خلي شي يفسد عليي فرحتي فيه هلق

ثم أعادت ترتيب أغراضها كلٌ في مكانه
وخرجت لتجلس مع العائلة ورمت كل شيئ خلفها
أرادت أن يعود كل شيئ لطبيعته
فلم تكن لديها القدرة لإستيعاب
أن ماحلمت بتحقيقه من خلال حبها له قابلٌ للزوال

إنتظرت بعد ذلك خبراً منهُ يُنبأها بخبر وصوله سالماً لبلاده
ولكنه كما وعوده السابقة بالوصال
لم يتكلم ولم يرسل لها بأي شيئ
يدل على أنه يذكرها

شعرت بأن هذا اللقاء
قد نجمَ عنهُ  برود جمّد مشاعره
وأوجعها وأشعرها بالوحدة والإنتظار
ولكنها لم تكن جاهزة بعد
لتتخلى عن كل ما سلف
وتلقي بطموحاتها
أو أن تدع تلك الرسومات
التي أبدعت في نقش سعادتها بين أفنانها
تتطاير أدراج الرياح

وكي لا تطيل الإنتظار
ولعدم رغبتها خوض غمار تجربة جديدة
من تجارب اليأس والإنتظار
وبينما كانت تتذكر وتسترجع الأحداث التي عاشتها بين أحضانه
توارد لأذهانها سؤال محير مفاده

إن كان لا يعلم بأني عدت للفندق وسمعت ماسمعت
فلماذا يعاملني بهذا البرود والجفاء
ألا يكفيني ماحصل
مالذي قد غيره
وماالطارئ الذي غير ذاكَ المناخ

لم تعتد ( ديان ) أن تجعل من سينفونيةٍ نظمتها
لقمة سائغةً في أفواه باقي العازفين

فقامت بإرسال رسالةٍ له
أشبه بالتحرش ودس النبض إذا صح التعبير
ولم تكن تحتوي على أكثر من نقطة

ولكنها وعلى غير العادة
إضطرت أن تنتظر مايزيد عن الساعة
حتى رد على رسالتها
والتي لم يتعدى محتواها
عما أرسلته له
فكان المضمون
مجرّد نقطة

هي كانت تعلم بأن نقطة ما قد تشعل حرباً
وبأن نقطة أخرى قد تكون كفيلةً بإخماد حريق

فأرسلت له مامفاده ..
شو ماعاد ينحكى معانا

فرد عليها بعد حوالي نصف ساعة بقوله ..
والله مشغول كتير
بدك تسامحيني .. وقتي مو ملكي

فأرسلت له قائلةً ..
مو مشكلة
وقت تفضى وتلاقي حالك قدران تحاكيني أنا ناطرتك

لم ترد (  ديان ) أن تخنقه وتشعره بملاحقتها له
بل كانت تريد أن تترك له فسحةً يتنفس بها
ومن ثم يعود إليها بإرادته ومن دافع حبه وحبه فقط

ولكنه وحين قرأ تلك الرسالة
شعر بأنه أساء التصرف
ودفعه إحترامه لأدبيات التعامل معها
للإتصال مباشرةً

وحين بدأ جوالها بالرنين
عادت تلك الإبتسامة لتزين شفاهها
فردت مسرعة وقالت ..

3 أيام ياغليظ .. يعني لا ودعتني وقت سافرت
ولا خبرتني وقت وصلت ولا متذكر أنو فيه حدا بيعنيك بهالمكان هاد

فأجابها ..
والله حقك عليي
بس عنجد بعد ما أجيت لقيت الأمور فايتة بالحيط بغيابي
الشغل مكركب والبيت متل مابتعرفي والعيلة والولاد
عنجد لا تزعلي

فقالت له ..
بس نحنا تعودنا كل يوم نحاكي بعض ونتراسل
معقول هيك فجأة تبرد عواطفك وتتغير معي
وبدون سبب

فأجاب ..
يعني كمان أنتي مزودتيها
هلق إذا ماحاكيتك كل يوم ضروري ماكون متذكرك
خلينا نخفف مراسلات وحكي هالفترة شوي
منو أنا بعوض هالأيام اللي غبتا عن شغلي وبيتي
و منو بلكي بنشتاق شوي لبعض

فقالت له ..
أنا هاد يلي كنت خايفة منو

فرد مسرعاً ..
وشو هوي اللي كنتي خايفة منو يابعدي

فأجابت مستائة ..
عم تتمسخر
أنا أصلا كنت خايفة يجي اليوم اللي تمل مني فيه

فأجاب بإستهزاء
يا الله عليكي شو بتتخيلي قصص مالها وجود

فقالت له ..
وأنت شو بتسمي إهمالك هاد وبرودك

فأجاب ..
عطيني وقت كام يوم وشوفي منك لحالك كيف رح أرجع حاكيكي وأكتر من أول

فقالت له ..
أنا مابدي ياك تتصرف شي مومقتنع فيه ولابدي منك إهتمام وحب مو نابع من ذاتك
وأكملت قائلةً ..
وعلى فكرة .. أنا مو ناطرتك تبادلني الإهتمام والحب لأستمر معك
والسبب بسيط .. هوي أني أنا بحبك بدون مقابل
بحبك وبس

ثم ختمت حديثها قائلةً ..

أنا صار لازم سكر
ناطرة تلفونك .. لا تتأخر عليي

فرد مودّعاً ..
ديري بالك على حالك
بالقريب العاجل إنشالله بفضالك وبعوضك عن كل هالشي

الله معك

ثم وبعد أقل من أسبوع
عادت المياه لمجاريها
فكان يكلمها تارةً
ويراسلها من وقت لآخر تاراتٍ عدة
حتى أنهما كانا حين يفكرا بالخروج كل منهما خارج منزله
ليحظى ببعض التنفس والراحة وتغيير الأجواء
كانا يتواعدا بأن يخرجا سوياً
هو في بلده وهي في بلدها
وكأنهما معاً وتحت سماء واحدة

وفي إحدى المرات
إتفقا على أن يذهبا للمطعم سويا
فنزل هو إلى مطعمٍ يبعد مايقارب الميل والنصف عن منزله
ونزلت هي ألى مطعم على بُعد شارعين أو أكثر عن منزلها
وجلست هي على الكرسي الذي يقابل كرسيه في ذاك المطعم الذي يجلس فيه

كانت المسافة التي تفصل بينهما تكاد تقارب الثلاث دول متجاورة
ولكنهما كانا يشعرا بأن المسافة التي بينهما
لا تتجاوز فنجاني القهوة وكوب الماء الذي على طاولة كل منهما
هي كانت دائما تطلب فنجاناً إضافياً له وتضعه قبالة كرسيه الفارغ
وهو كان يطلب أركيلة إضافية ويخبر النادل بأن يضعها بجوار الكرسي الفارغ الذي يواجهه
ثم كانا يتكلما عبر الهاتف وكأنهما في ذات المكان سوياً

كانت حياتهما أشبه بجنون يرتديه شخصان
لابل كانت أشبه بجنونٍ يرتديه عاشقان

حتى عاد وإنشغل عنها وبدأ بتخفيف إتصالاته

ففكرت بأن تخطو خطوة جنونية وكعادتها
وقررت أن تعاود التجربة وتحاول السفر إليه
ولكنها في هذه المرة
قامت بإتّخاذ كل الإحتياطات والإجراءات التي تمنع تكرار فشلها في المرة السابقة
فحصلت على تأشيرة الخروج وبات كل شيئ أقرب للواقع
وقبل أن تخطو خطوتها الجنونية هذه
أرسلت له رسالة مضمونها .. دقلي ضروري
فما كان منه إلا أنت إتصل مسرعاً .. ظناً منه أن هناك أمراً طارئاً قد حدث .. وإذ بها تقول ..
إشتقتلك
أنت ما إشتقتلي
فجاءها الردّ الذي لم تتوقعه ولا بأسوأ الظروف ..

لا
ما إشتقتلك

لم تصدق ما رأته عيناها
بل لم تكن تريد أن تصدق ما رأته تلك العينان الفقيرتان

فأرسلت له مازحةً ومتسائلةً ..
أكيد عم تمزح

فأجابها .. يعني معقول تعطليني عن شغلي وتبعتيلي هيك رسالة ترعبيني فيها مشان تسأليني إذا مشتاق ..
بعدين ليش بدي أمزح
ماكل يوم عم نحكي مع بعض ومابيمر يوم إلا وما نبعت شي لبعض
فليش بدي إشتقلك
أصلا أنامستغرب انتي كيف مشتاقيتيلي

صعقها جوابه
بل نزل عليها كحجارةٍ من سجيل
فوجدت الوقت مناسباً لتسأله عماكانت قد تكتمت عنه وأخفته كل تلك الفترة

فقالت له ..
هاد البرود مالو غير تفسير واحد
وهوي أنك عم تقضي وقت مع حدا تاني غيري أنا وزوجتك

فكان جوابه كمن ملّ الكذب أو كمن يحاول تعويدها على نمط حياة يريحه ويناسب مزاجه .. ولكن هذا الجواب كان أشد وقعاً من الذي سبقه حين قال  وبكل صفاقة ..
..
ياستي ليش الكذب
كلامك مزبوط
حسيت برغبة أني فرغ شوي من طاقاتي وقضي وقت حلو
وماكان عندي الرغبة قضيه مع زوجتي
لأنها صايرة باردة كتير معي والمشاكل كتير تفاقمت بيناتنا بالفترة الأخيرة
وأنتي كنتي بعيدة فطلعت مع وحدة من هون وقضيت معا وقت وإنتهينا

هذا كان آخر جواب سمعته من فمه ..

قضيت وقت مع وحدة من هون وإنتهينا

وآخر شيئ سمعه هو من فمها
كان صوت البكاء

لم تقدر على مواصلة ذاك الإتصال
فما كان منها إلى أن أغلقت الخط واطفأت جهازها
وجلست إلى جانب أمتعتها وحقائبها التي سبق وأن حزمتها بغية السفر إليه

أكثر ما أثار حفيظتها وعلق بسريرتها من الخذلان
هو أنها أحبته بكل ما إستطاعت
ولم توفر في حبه ما قد تستكثره عليه
أو تستأثره لنفسها
أو تهبه لغيره
وهو كان في الطرف المقابل
يبيع حبها بأرخص الأثمان
بل إنه كان يبذر عواطفه وأحاسيسه بين المحظيات
ولكم كان سخياً في التصدق والتبذير برجولته وفحولته بينهن

بل مابات جليّاً ولا يقبل النقاش في نظرها
هو أنها لم تكن تصحيحاً لمسار حياته الخاطئ مع زوجته
ولم تكن الحب الضائع الذي حرمه منه زواجه التقليدي
بل إنها كانت أشبه بنزوةٍ عابرة من بين نزواتِهِ البربرية الهمجية

لابل باتت على يقين مطلق بأنها
لم تتعدى جهلة الأربعين بنكهةٍ جنونية

نظرت إلى تلك الأمتعة وكأنها تقول في نفسها ..

بالظاهر مو مكتوبلنا نسافر لعندو
المرة الماضية منعونا عالحدود
وهالمرة هوي مو رغبان فينا

وقفت في مواجهة النافذة ناظرةً للأفق البعيد
وفي نفسها نزقٌ يوعِدُ بالتمرُّد لا الإنهيار
فأخذت على نفسها عهداً ألا تكلمه أو تراسله
قبل أن يعود ويعتذر ويعبر عن إشتياقه ولوعته وإنكساره
ويُبدي ندمه الشديد ل ما أقترفته شياطينه

لم يمضي على تلك الحادثة أكثر من تسعة أيام
مرت عليها كمن تم سجنه في زنزانة منفردة
متحملة كل عذاب ولوعة الفراق
وأثناء تصفحها وكالعادة أخبار الأصدقاء على الفيسبوك
وإذ بها تتعثر بصورةٍ له في المستشفى
كانت قد قامت زوجته بمشاركتها على صفحته
وكانت قد كتبت فوقها
الحمد الله عالسلامة

وكانت قد تدفقت التعليقات مهنئة إياه بالسلامة تارةً
ومتمنيةً له بالشفاء العاجل تارةً أخرى

فجلست تبحث في الأمر
ولكنها لم تطل التفكير
فقامت بإرسال رسالة مفادها

الحمد الله عسلامتك .. وعليك العافية

وكأنه كان بإنتظار تلك الرسالة
حتى إنبرى لها مبتهجاً ومجيباً في الحال قائلاً ..

ولك أهلين بالغالية .. كيفك وكيف احوالك وشو أخبارك

فقاطعته برسالة مفادها ..

الأمور تمام وعال العال
شوف لقلك
كلشي لحال

صحي أنا زعلانة وآخدة لى خاطري منك
وصحي أنت مو مشتاقلي  ومليت مني

وصحي مانسيت أنك فطرت على بصلة
وأكلت مقبلات من الشارع وماكنت تتحمل الصيام
ومانطرت الفطور الملوكي اللي كنت محضرتلك ياه بعد هالفراق

بس حالياً أنت مريض وانا من واجبي أتطمن عليك
وهي أنا أتطمنت عليك ومشي الحال
دير بالك على حالك ولا تجهد نفسك

فرد مسرعاً ..
لا تروحي
لاتسكري
لحظة
بدي أحكي معك

فردت له قائلةً
بس تشفى وتقوم بالسلامة بنحكي

وأقفلت المراسلة والواتس وعادت لنافذتها لتراقب المغيب

وأثناء مراقبتها لذاك المغيب
ترائى لها رؤية وجهه في تلك الشمس التي تنوي الرحيل
فخاطبته قائلةً لتلك الشمس ..

كنا عايشين و مبسوطين
كل واحد حلمو ع قدو
مدري شو صار حتى تبعثرنا
الماضي صار ذكرى
الحاضر صار مر
المستقبل صار لغم
ونحنا بمنتصف كل هدول

حتى انت تغيرت
صرت ابعد واحد عن قلبي
رغم إنك كنت اقرب من الوريد للوريد
ليش تغيرنا
شو صار بنفوسنا
وبطيبتنا
وصدقنا
مين سرقلنا الوفا
شو هالقساوة يلي سكنت قلوبنا
وماعم تتخلى عننا

توارت الشمس بعيداً عن متناول الآحداق
وتوارى ذاك الهيام الذي نبضت به أنفاسها عن متناول قلب ( ميار )
لابل بات يزاحمه حزنها على تلك المساحة التي يشغلها في قلبها

حتى أن طعنه لها خلف جرحاً بات ينزف من الدم مابات كافياً
لترسم به طريقاً أبعد من ذاك الذي لونته سابقاً بنبضات حبهما
ولكن معالم ذاك الطريق لم تزل قيد التشكل
ولم تؤسس بعد لخارطة تُظهر ما توصلت إليه أسفارها
أو أين سترسو سفنها
أو ما تنوي الخلاص إليه
أقله مع ميار

كان عليه ألا يقف بعيدا عنها
ثم يطالبها أن تكون بخير
وأن تكون سعيدة
بل كان حريٌّ به أن يمنحها مايشبهه
عندما يغادرها أو يودعها

كان عليه أن يفهم أنفعالاتها
ﻷنها نصف طفلةٍ ونصف إمرأة
وﻷنها تخفي وراء شراستها قلبا هشا
ﻻحدود لهشاشته
بل أنه  إن لمسه بقسوة قد يتفتت
فكيف به وهو يدوس عليه

مضت عدة أيام وإذ به يرسل لها مامفاده ..

أنا إشتقتلك
شو رأيك تجي تغيري شكل
ونقضي وقت حلو سوى

فأجابته ..

كل مافكرت أجي لعندك
بيصير شي يمنعني
والأهم من هيك
ولا مرة أنا إشتقتلك وإكتملت معي وتهنيت
بقى شو رأيك أنت تجي
لأن وقت أنت تشتاق وتجي
بتبقى الأمور أزبط

فأجابها محاولاً ترطيب الأجواء ..

أنتي حابيتيني أجي ؟؟
طيب شو المغريات

فردت بغموض ..

محضرتلك مفاجأة رح تخليك بعمرك ماتنسى أنك عرفتني
والأهم من هيك .. عم ساويلك  هدية شغل ايدي
مابتوقع حدا قبل مني قدر يهديك متلا

فما كان له إلا أن إستعاد حيويته ونشاطه فأجاب ..

يومين وبكون عندك

فردت له قائلة ..

كتير منيح
لأن أنا كمان لازمني يومين بين ماتخلص الهدية
وأقدر جهز حالي لأستقبلك

ثم ودعته وأغلقت تلك المحادثة ونظرت لجوالها
قائلة ل ميار كمن تحدثه من بعيد

وحياة عينك
رح يصير الشي اللي يخليك بعمرك ماتنساني
أوتفكر بوحدة غيري

مضى اليومان هذه المرة بلمح البصر
وما أن حان وقت قدومه إلا وبادر بالإتصال بها

فقال لها ..
حبيبتي أنا عالطريق
شو بجبلك معي

فأجابته ..
سلامتك
بس بدي منك تنزل بنفس الفندق وبنفس الجناح

فإستغرب من طلبها ولكنه لم يعلق كثيراً
حيث أن المهم عنده هو ماكان يجول بخلجات قلبه عما سيحدث حين يلتقيا
وعن هول الإنفجار الذي سيولده إلتحام الذرات بعد إنشطارها سابقاً

وفعلاً
نزل في ذات الفندق ولحسن حظه كان الجناح المذكور متاحاً
فأرسل لها مامفاده بأنه بإنتظارها
في ذات الفندق وبذات الغرفة وعلى ذات السرير

فأرسلت له مامفاده بأنها في الطريق إليه

جعلته ينتظرها ضعف ما إنتظرته سابقاً
وقبل أن تخنقه جدران تلك الغرفة ارسلت إليه تبريراً لتأخرها
وأعقبته بتأكيدٍ على وصولها بأقصى سرعة

أراد ان يميز لقاءه الثاني معها
فخلع كل ملابسه وإنتظرها على طرف السرير
وأطفأ كل الأنوار إلا ذاك الذي بجانب السرير
وترك لها الباب متاحاً
لتفتحه وتدخل

وصلت هي إلى الفندق
بذات الثياب التي إرتدتها في اللقاء السابق
وبذات الحذاء الذي زيّن أقدامها
وعلى أذنيها ذات الحليّ التي وسمت بهما جمالها وبساطتها
وبذات الرائحة التي عبقت بها جدران الردهة سابقاً

وحين إقتربت من باب الغرفة
كانت كل الأبواب تخرّ لها ساجدةً
فقد ألفت زوايا ذالك المكان عبيرها ومشيتها وقامتها الباسقة

لم تطرق الباب كالسابق
ولم تقف كثيراً تحدق برقم الغرفة
بل إنها كانت تعبر بنظراتها للمكان
كمن لا يكترث لتلك الترهات والتفاصيل الباهتة

وضعت يدها على مقبض الباب
ودخلت للغرفة فأنارتها ببريقها
وفردت أجنحتها كطائر العنقاء
وإقتربت منه فأمسكت بيديه
ووضعت بينهما مغلفاً على هيئة هدية
وقالت له ..

طلعتني من الظلمة
وأنا رافضة أرجعلها

كنت مفكرة الحب سلم نجاة
وأنت علمتني أنه الحب كما الرجال
أكذوبة لا تتعدى كونا وسيلة لإخضاع النساء
ومعاملتن كجاريات

وصدقني كنت مصدقة أنه فيه رجل عظيم
وخلفو إمرأة عظيمة
اليوم إكتشفت انه الإمرأة العظيمة
مو بحاجة لرجل يمنحها العظمة
بل على العكس
هيي فقط بحاجة رجل ندل ورخيص
يمنحها المعاناة اللي تكون الدافع وراء إبراز عظمتها

وأنهت حديثها بالقول ..

قوم أستور رجولتك المهدورة
وإقرا هاد الكتاب
اللي ممكن تكتشف منو أشيا  كانت عيونك عميا عنها كل هالوقت
واللي كانت آذانك طرشا أثناء كتابتا
واللي ممكن كتير تعطيك درس
بأنه زوجتك كتير عليك

ثم أدارت له ظهرها وهي تبتسم
وأغلقت الباب خلفها
وتركته في تلك الظلمة التي خلفها رحيلها
كأن النيران التي رافقتها عند الدخول
رافقتها عند الرحيل

بقي صامتاً
وكأن شللاً ما قد أصابه
أو كأنه يقبع وسط كوما
غير مدركٍ فيها ماجرى وماحصل
كل مايدركه الآن أو يتذكره
بأنه كان بإنتظارها
وحتى الآن
لم يصدق بأنها دخلت وخرجت
وما جرى بين ذاك الدخول وذاك الرحيل

حتى انه بدأ يشعر بالصقيع الذي كانت تشعر به بسببه
وبات يتجرع من الكأس التي سقاها منها
وسقى الكثيرات قبلها وبعدها مايشبه. ذاك الكأس
حاول أن يعود لأتزانه علله يستطيع النهوض
ولكن قدميه لم تسعفاه
فنظر للعلبة التي بين يديه
وقام بفتحها
وإذ بها مالم يتوقعه على الإطلاق

قصة بعنوان ..

عاشقةٌ تأبى السقوط
وفي الصفحة الأولى ..
إهداء إلى من سحق الورود بقدميه
ولم يعلم بأن الصبّار لا يُسحق

إهداء إلى من نسي بأن المرأة التي إن مسّها الضّر
ماهي إلا مشروع طائر عنقاء

وأثناء تصفحه تلك القصة
وجد بأن الأحداث تخصهما إلى حدٍّ بعيد

فذهب بتقليبه الصفحات قاصداً معرفة نهاية تلك الحكاية
فوجد نفسه قابِعٌ على طرفِ السرير
وبيده كتاب

وكان قد كتب في نهايته
خلف كل إمرأةٍ عظيمةٍ
رجلٌ تمرَّدت عليه

وذيلته بتوقيع مفاده
بقلم  ديان

المُهنّد محي الدين حسن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق